أبي منصور الماتريدي
204
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وجائز أن يكون أدبر في جهنم ، فيدبر رجاء أن يفر عنها ، ويتولى ؛ فلا تدعه النار ليفر ؛ بل تغشاه عن الإعراض ، كقوله - عزّ وجل - : إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [ النحل : 100 ] ، ولكن هذا قريب من الأول ؛ لأن من تولى عن ذكر الله فقد تولى الشيطان . وقوله - عزّ وجل - : وَجَمَعَ فَأَوْعى يخبر بقوله : وَجَمَعَ عمّا جبل عليه من شدة الحرص على الدنيا ؛ فيكون الجمع كناية عن الحرص ، فبلغ به هذا الحرص مبلغا أنساه ذكر الآخرة . وقوله - عزّ وجل - : فَأَوْعى فيه بيان صفته فيما عليه من النهاية في البخل ، فيكون الإيعاء كناية عن البخل حتى لم يؤد حق الله تعالى في ماله ، أو لم يقم بشكر ما لله تعالى من النعم ، أو بلغ به البخل مبلغا منعه ذلك عن قبول حق الله تعالى في ماله . قوله تعالى : [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 19 إلى 35 ] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ( 28 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 29 ) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 30 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 31 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 32 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ( 33 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 34 ) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ( 35 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً اختلف في تأويل الهلوع من وجوه ، كل يرجع إلى معنى واحد : فقال بعضهم : الطامع في اللذات ، الطالب لها ، والكاره للأثقال ، الهارب منها . وقيل : خُلِقَ هَلُوعاً ، أي : على حب ما يتلذذ به ، والقيام بطلبه وبغض ما يتألم به ، والهرب عنه . ومنهم من يقول « 1 » : الهلوع : الضجور ؛ وهو « 2 » موافق للتأويل الأول ؛ لأن الذي يحمله على الضجر هو ما يصيبه من الألم ؛ فيضجر لذلك أو يضجر عن حق الله تعالى . ومنهم من يقول : تفسيره ما ذكر على أثره من قوله : إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، وهذا - أيضا - مثل الأول ؛ لأن الذي حمله على المنع شدة حبه إياه ، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر ، فجزعت نفسه لذلك ؛ لأنها أنشئت
--> ( 1 ) قاله عكرمة أخرجه ابن جرير ( 34903 ) وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 420 ) . ( 2 ) في ب : وهذا .